الشيخ محمد رشيد رضا
183
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الليالي من أول الشهر وآخره فان طلوع الفجر في الليالي المقمرة لا يظهر ويرى في الوقت الذي يظهر فيه في الليالي المظلمة بل يكون متأخرا ، وإنما العبرة في العبادة برؤية الفجر وتبين النهار لا بحساب الموقتين والفلكيين ، فان هؤلاء قد يجمعون على تولد الهلال ووجوده بعد غروب الشمس من اليوم التاسع والعشرين من شعبان ولا يعمل أحد بحسابهم حتى الذين يوقنون بصحته من أهل العلم بهذا الشان ولو إجماليا ومن أهل الاستقراء لحساباتهم الدقيقة في السنين الطوال ، ولا فرق بين مسألة الفجر ومسالة القمر فلماذا يتبع جميع أهل الحضر المدني حسابهم في الفجر دون الهلال ؟ ان نص الآية ينوط بدء الصيام بان يتبين للناس بياض النهار ناصلا من سواد الليل بحيث يراه كل من وجه نظره إلى جهة المشرق وقيل بحيث يرونه في طرقهم وبيوتهم ومساجدهم ، ففي بعض روايات حديث الأذانين « فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم » وكان رجلا أعمى لا يؤذن حتى يقال له : أصبحت أصبحت . اه ، وإنما كان يقول له هذا من يكونون عند المسجد ويظهر النهار لهم ، لا أناس يرصدون الفجر من منارة أو سطح ويعتمدون على أول ما يرونه في أفق المشرق من انتشار الضوء المستطيل الذي يسمى الفجر الكاذب الذي يظهر كذنب السرحان ( الذئب ) ثم استطارته معترضا التي حددوا بها الفجر الصادق فان هذا التحديد لا يدركه إلا الراصد المراقب للافق دون الجمهور الذي خاطبه ربه بقوله ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ) الخ فجعل لهم بدء صيامهم وقتا واضحا لا شبهة فيه وهو ما عبر عنه المتنبي بقوله : وهبني قلت هذا الصبح ليل * أيعمى العالمون عن الضياء ؟ وقوله وليس يصح في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل ولكن من طباع البشر أن يميل بعض أفرادهم بطبعه إلى التشدد والتنطع وبعضهم إلى التساهل في الأمور كلها ويكون الأكثرون في الوسط بين الافراط والتفريط ، وهو الأصل في التشريع ، فهذا هو السبب في اختلاف السلف في تحديد أول النهار في الصيام هل هو أول ما يسمى الفجر الصادق أو تبين بياض النهار للناس منه ؟ كما اختلفوا في صفة المرض والسفر المبيحين للفطر . والقاعدة العامة أن التكاليف الشرعية